أحمد بن محمود السيواسي

233

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

الْقاعِدِينَ ) بغير عذر ( أَجْراً عَظِيماً ) [ 95 ] مصدر ، لأنه « فضل » بمعنى آجر ، أي آجرهم أجرا كبيرا في الجنة ، والقاعدون بغير عذرهم الذين أذن لهم النبي عليه السّلام بالقعود اكتفاء بغيرهم ، لأن الجهاد فرض كفاية . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 96 ] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 96 ) قوله ( دَرَجاتٍ مِنْهُ ) بدل من « أَجْراً عَظِيماً » ، ويجوز أن ينتصب « دَرَجاتٍ » مصدرا كنصب « درجة » ، أي فضلهم تفضيلات وينتصب « أَجْراً عَظِيماً » على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها ، قوله ( وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ) عطف على « دَرَجاتٍ » أو نصب بفعل محذوف ، تقديره : غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة ، وهذا الكلام من قوله « لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ » إلى قوله « وَرَحْمَةً » من باب الجمع والتقسيم ( وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً ) لمن جاهد في سبيله من ذنوبه ( رَحِيماً ) [ 96 ] يدخله الجنة برحمته أو رحيما لمن له العذر بتسويته في الفضل مع غيره . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 97 ] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) قوله ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ) أي قبضتم ( الْمَلائِكَةُ ) قيل : يجوز أن يكون ماضيا ويجوز أن يكون مستقبلا « 1 » ، أي تتوفيهم إن يمكنهم اللّه من استغناء أنفسهم فيستوفونها ( ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ ) نصب على الحال ، أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة بعد الإسلام والمقام في دار الشرك بعد وجوب الهجرة ، نزل في شأن الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر ، فلما رأوا قلة المؤمنين وكثرة الكافرين شكوا وكفروا فقتل بعضهم « 2 » ، فأخبر تعالى عن حالهم بقوله حكاية عن الملائكة عند قبض أرواحهم ( قالُوا ) أي يقول لهم الملائكة توبيخا بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا ( فِيمَ كُنْتُمْ ) أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم فتركتم الهجرة ( قالُوا ) أي قال المتوفون معتذرين ( كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ) أي عاجزين عن الهجرة ( فِي الْأَرْضِ ) أي في أرض مكة فثم ( قالُوا ) أي الملائكة لهم توبيخا بالاستفهام ( أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ) وقد كنتم قادرين على الخروج عنها فلم تخرجوا إلى بعض البلاد وهو المدينة ( فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ ) أي منزلهم النار ( وَساءَتْ مَصِيراً ) [ 97 ] أي بئست مرجعا رجعوا إلى جهنم « 3 » ، وفيه دليل على أن من لم يستقم إقامة دينه في موضع يجب الهجرة عليه « 4 » إلى ما يتمكن فيه ذلك ، قال عليه السّلام : « من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السّلام » « 5 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 98 ] إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ( 98 ) قوله ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ) استثناء من قوله « مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ » ، أي إلا المقهورين ( مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ) وإنما قرن بهم الولدان مع أنهم عاجزون لا يتوجه عليهم الوعيد لبيان أن الرجال والنساء صاروا في انتفاء الذنب عنهم بترك الهجرة للعجز بمنزلة الولدان ، قوله ( لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ) يجوز أن يكون استئنافا ، ويجوز أن يكون صفة ل « المستضعفين » بحكم زيادة حرف التعريف ، أي لا يجدون سعة الخروج إلى المدينة لفقرهم وعدم قوتهم ( وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ) [ 98 ] أي لا يعرفون طريقا إلى المدينة وغيرها . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 99 ] فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) ( فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ) أي يتجاوز عن ذنوبهم و « عسى » من اللّه للوجوب ( وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا )

--> ( 1 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 1 / 266 . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 1 / 380 - 381 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 150 ؛ والبغوي ، 2 / 137 . ( 3 ) إلى جهنم ، م : إليها جهنم ، ب س . ( 4 ) عليه ، ب م : - س . ( 5 ) انظر الكشاف ، 1 / 266 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها .